الفرق بين الفلسفية التحليلية والقارية
تعريف المدرسة التحليلية في الفلسفة الغربية المعاصرة، وذكر بعض الاختلافات بينها وبين المدرسة القارية.
أكبر مدرستين أو منهجيتين في الفلسفة الغربية الحديثة هما مدرسة أو منهجية الفلسفة التحليلية ومدرسة أو منهجية الفلسفة القارية.
وقد نسمع أحيانا عن المدرسة التحليلية والاختلاف بينها وبين المدرسة القارية، لكن يبقى عند كثير هذا الاختلاف ضبابيا وغير واضح. ولعل هذا المنشور يساهم في تعريف وتوضيح المدرستين وبعض الفروق بينهما.
مما يصلح أن يحل محل التعريف ذكر ما يمتاز به الشيء. ومما يميز هذا التراث والتقليد الفلسفي ما ذكره (Michael Dummett) في كتابه (Origins of Analytical Philosophy) (أصول الفلسفة التحليلية) فقال: "الذي يميز الفلسفة التحليلية في تجلياتها المختلفة من
بقية المدارس [الفلسفية]، الاعتقاد أنه:
أ- يمكن لسرديةٍ فلسفية للفكر أن تتحقق عبر سردية فلسفية
للّغة.
ب- أن سردية إجمالية شاملة لا يمكن أن تتحقق إلا بذلك." اهـ
فمما نستفيده من هذا الكلام أن المدرسة التحليلية هي مدرسة معتنية بالتحليل الفلسفي للفكر عبر التحليل الفلسفي للغة وما يتعلق بها، مع اعتقاد أن التحليل الفلسفي للفكر لا يكون شاملا إلا بالتحليل الفلسفي للغة. وهذا وإن كان يوضح الصورة نوعا ما إلا أنه لا يجليها تماما بعد.
وعرف الفلسفة التحليلية (Michael Beaney) في كتابه (Analytic Philosophy: A Very Short Introduction) (الفلسفة التحليلية مقدمة قصيرة جدا) في الفصل السادس:
"الفلسفة التحليلية هي فوق كل شيء، طريقة لعمل الفلسفة [التفلسف]، وممثلة لقيم معينة، ومستعملة لأدوات جديدة أتت من تطور ونشوء المنطق الحديث" اهـ
وفي مكان آخر يذكر تفصيلا بعض تلك القيم التي أجملها في تعريفه:
"الوضوح في التفكير، والدقة في التعبير، والقوة في الاستدلال أصبحت تعتبر القيم المركزية في الفلسفة التحليلية." اهـ
ومن هذين النصين يتبين لنا أن المدرسة التحليلية الفلسفية ليست مدرسة يجتمع أعضاؤها في آراء فلسفية معينة بالضرورة سواء كانت آراء ميتافيزيقيا أو أخلاقية أو غير ذلك، بل بشكل عام الخيط الرابط الذي يجمعهم هو الاتفاق على آلية محددة للعمل الفلسفي وأسلوب يركز على الوضوح والدقة والنقد القوي لأي رأي مع الاهتمام بـ التحليل الفلسفي العميق للغة واستعمال أدوات ولغة المنطق المعاصر.
ونختم فيما يخص تعريف هذه المدرسة بتعريف الجمعية الأوروبية للفلسفة التحليلية:
"الفلسفة التحليلية تتميز فوق كل شيء بهدف الوضوح، والإصرار على الشرح والتبيين الصريح في الفلسفة، والطلب بأن يكشف أي رأي يتم التعبير عنه لتحديات وصعوبات التقييم النقدي والمناقشة من قبل الأقران."
المدرسة القارية:
"التقليد القاري يلخص في ثلاثة مصطلحات: النقد، الممارسة، التحرر"
(Simon Critchley) - (New British Philosophy: The Interviews)
وبسط هذا المعنى أكثر في كتابه ( Continental Philosophy: A Very Short Introduction ) (الفلسفة القارية: مقدمة قصيرة جدا) (الفصل الرابع):
"يستطيع أن يقول الشخص أن محك الفلسفة في التقليد القاري هو سؤال الممارسة."
"وهذا المحك الذي هو الممارسة، يقود الفلسفة إلى نقد الأوضاع الحالية كأوضاع ليست مساعدة للحرية، وباتجاه طلب التحرر لكي تكون الأمور على نحو وحالة أخرى، وطلب تغيير وتحويل التطبيق العملي للفلسفة، الفن، الفكر أو السياسة." اهـ
وهذا فيه تعريف للفلسفة القارية من جهة الأهداف وبعض المصطلحات المركزية.
ومما ذكره أيضا من خصائص الفلسفة القارية، الاهتمام بالتراث الفلسفي السابق مع العناية الجادة بسياقات الأفكار الفلسفية السابقة، وأن التفكير الفلسفي لا ينقطع عن الماضي والتراث المتراكم.
قال: "التقليد القاري، يعمل كأرشيف نصي واسع لمعضلات فلسفية ذات سياقات محددة. فمشكلة فلسفية معاصرة ستقود الشخص إلى أن يستحضر نصا ما ومجموعة مفاهيم من ذلك الأرشيف. والطريقة لكي يمضي شخص قُدُما فلسفيا هو أن ينظر إلى الوراء بشكل جديد.
وبعبارة أخرى، بالنسبة للتقليد القاري، المعضلات الفلسفية لا تنزل من السماء جاهزة، ولا يمكن التعامل معها كمواد مستقلة في خيال لا تاريخي من الفلسفة المتعالية الخالدة. وقراءة الشخص لنص فلسفي كلاسيكي من التراث، لا يشبه صورة حوار عشاء جامعي [يشير إلى واقعة حصلت معه]، بل يشبه مقابلة غريب من بلاد بعيدة لغته لا زال الشخص مبتدئا في فهمها وبصعوبة." اهـ
فالخلاصة إذن في تعريف الفلسفة القارية أنها فلسفة نشأت من كتابات بعض فلاسفة القارة الأوروبية، وما يجمعهم بشكل عام موضوع نقد الممارسة البشرية الفردية أو المجتمعية لكي يحصل التحرر وتبدل الأحوال، بالإضافة إلى الاهتمام بالرجوع إلى التراث الفلسفي السابق وفهمه بسياقاته وشروطه وربطه بالمعضلات المعاصرة.
ويبقى ذكر الاختلافات بين المدرستين، ومن أوضحها الأسلوب في الكتابة. فالفلسفة التحليلية تعتمد على الوضوح بقدر الطاقة مع الاستعانة بالمنطق الحديث الذي تأثر جدا بالمنطق الرياضي وما مر به من تطور. وأما الفلسفة القارية ففي كثير من نصوصها نوع من الشبه بالتراث الأدبي من شعر ونثر في عدم الوضوح والانضباط مثل الأسلوب التحليلي.
قال (Nikolay Milkov): "بالتالي، بينما كانت الفلسفة التحليلية منذ بداياتها، تطمح في تقليد طريقة العلم التجريبي، الفلسفة القارية اتبعت طريقة أقرب إلى الأساطير والشعر.
والخصائص المتباينة لكلا الحركتين انكشفت تماما في مناظرة بين كارناب [الفيلسوف التحليلي] وهايدجر في دافوس في مارس عام 1929. و بعد ذلك نتيجة للمناظرة قرر كارناب الفرق [بين الفلسفتين] بطريقة واضحة بين الفلسفة [التحليلية] التي تعطي نتائج مضمونة، والأخرى [القارية] فلسفة شعرية، مؤكدا بأنه أحيانا يقرأ نيتشه لأن الأخير ما يكتبه نوع من أنواع الأدب، ولكنه يرفض قراءة هيجل وهايدجر لأنهما يقدمان كتاباتهما التي هي بالكلية غامضة ومستلهمة من الشعر كمنتجات أكاديمية."
م: (Early Analytic Philosophy and the German Philosophical Tradition).
وحيثية أخرى من حيثيات الاختلاف ما ذكره [Kile Jones] في هذه المقالة الجيدة (Analytic versus Continental Philosophy):
"يقول [C.G. Prado] لب المعارضة بين التحليلية والقارية يتمثل بوضوح في المنهجية، وهي في التركيز على التحليل أو الدمج والتركيب. يعتاد الفلاسفة التحليليون حل معضلات فلسفية محدودة بارجاعها إلى أجزائها والعلاقات بين تلك الأجزاء. الفلاسفة القاريون يعتادون التعامل مع أسئلة كبرى بطريقة دمجية أو تركيبية، ويعتبرون المسائل الجزئية أجزاء من وحدات أكبر منها، وأنها لا تفهم ويتعامل معها بطريقة صحيحة إلا عند إدخالها في تلك الوحدات." اهـ
" (Neil Levy) يرى كذلك هذا الفرق المنهجي في ( Metaphilosophy, Vol. 34, No 3)، فيَصِف الفلسفة التحليلية كنشاط لحل المسائل والمشكلات، والفلسفة القارية كأقرب إلى التقاليد والتراث الإنساني وللأدب والفن... وكذلك أكثر اشتباكا بالسياسة." اهـ
وفي المقالة أيضا يذكر (Kile) أن الفلسفة القارية الحديثة تشمل فلسفة ما بعد الحداثة والتي من أبرز رموزها ميشيل فوكو وجاك دريدا.
ومن أوجه الاختلاف أيضا مسألة الاستشهاد بمن سبق، فالمشتغلون بالفلسفة التحليلية يعتادون الرجوع والاقتباس من شخصيات محورية في الفلسفة التحليلية مثل برتراند راسل وفريجه ومور. بينما أصحاب الفلسفة القارية على الطرف المقابل يكثرون من الاشتهاد بـ هيجل وهوسرل وهايدجر.
م: (الفلسفة القارية: مقدمة قصيرة جدا)
وفي موقف طريف ذكره الفيلسوف الأمريكي جون سرل (John Searle) بينه وبين ميشيل فوكو، يشير إلى تعمد الكتابة الغامضة وغير الواضحة نسبيا من قبل بعض الفلاسفة القاريين أحيانا، قال سرل سائلا فوكو: "لماذا بحق الجحيم تكتب بطريقة سيئة جدا؟".
أجاب فوكو: "إذا كتبت بوضوح كما تفعل، لن يأخذني الناس في باريس بمحمل الجد، سيظنون أنني طفولي، ساذج.".
وفيما يخص موقف الفلسفة التحليلية من مجال تاريخ الفلسفة. كلام مفيد ومتوازن لكاتبه.
"والمجال الرئيسي الآخر والمتعلق بما قبله والذي سأقول فيه أن النقد تجاه الفلسفة التحليلية مبرر، هو ما يتعلق بموقفها تجاه التاريخ. الفلسفة التحليلية كثيرا ما اتهمت بكونها "لا تاريخية" أو حتى "ضد التاريخية". مثل المذهب الطبيعي [Naturalism]، (التاريخية) كذلك تأتي في صور عدة، أقواها التي تدعي أن الفلسفة في الحقيقة -بحث- تاريخي و يجب أن تفهم وتبحث بهذا الشكل، وأضعفها التي تدعي ببساطة أن المعرفة التاريخية مفيدة في بحث الفلسفة. القليل ينازعون الأخير، ولكن الادعاء الأول أكثر إثارة للجدل. والكثير من الفلاسفة التحليلين وبالتأكيد المتقدمين منهم، فعلا قد رفضوا التاريخية في أقوى صورها. [لأن] المعضلات الفلسفية، المفترض، أنها غير مقيدة بزمان معين، ومع أنه من المفيد النظر إلى كيفية تعامل الفلاسفة السابقين مع معها، إلا أنه يمكن القيام دائما بمحاولات جديدة، كالبناء على أحدث النظريات المنطقية أو العلمية التجريبية."
إلى أن قال:
"الفلاسفة التحليليون كثيرا ما ينتقدون مؤرخي الفلسفة لـ "مجرد" كونهم مهتمين بما كان فيلسوفا في الماضي يقصد أو يفكر، فيركزون على تفسير النصوص. بينما هم [التحليلية] يهتمون، بحسب قولهم، بما هو حق، فيركزون على حل المعضلات الفلسفية. ولكن ليس بين الأمرين هذا التباين كما يظنون.
وإن كنا سنفسر ما يقصده شخص بإنصاف وعلى أكمل وأقوى وجه، فنحتاج حينئذ إلى معرفة ما هو حق، وأي تقييم لرأيه بلا شك سيحتاج إلى ذلك. وحل المعضلات ومعرفة ما هو حق يمكن أن يتم تعزيزه بالاستفادة من حلول وآراء الآخرين التي قدموها، وهذا سيحتاج إلى معرفة ما كان يقصدونه. فالفلسفة التحليلية وتاريخ الفلسفة بحاجة إلى بعضهما البعض . . .
انعدام الوعي التاريخي الذاتي لعله أكبر نقطة عمياء في الفلسفة التحليلية. وعدم الانبهار الزائد بالتراث ربما يكون أساسيا لانتاج ابدعات تصورية، ولكن تشييد هذه الابداعات والدفاع عنها يفتقر إلى معرفة موقعها في المساحة التاريخية للآراء السابقة . . .
الفلسفة القارية تعطي موارد ثرية لفهم هذه المساحة التاريخية- ولكشف التصورات المسبقة، شرح المجازات، تفكيك الافتراضات، وإيجاد السياقات للمواقف الخ. وهنا في نظري ستستفيد الفلسفة التحليلية بشكل كبير من التفاعل العميق مع التقاليد القارية."
(Michael Beaney) في كتابه (Analytic Philosophy: A Very Short Introduction) (الفلسفة التحليلية مقدمة قصيرة جدا) - الفصل السادس.
وختاما أقول تحديد موقع الفلسفة الإسلامية بتراثها وتقاليدها المختلفة في خارطة الفلسفة الغربية اليوم مما يحتاج إلى بحث معمق يشبع التعقيد في أبعاد هذا الموضوع
.


